المنهج والفكر في مشروعاتي المعمارية
تعودت الاتزان والدقة في أداء أعمالي، سواء في التصميم أو الإشراف على التنفيذ، مخلصاً وصادقاً في أداء مهنتي وملتزماً بأخلاقياتها. أهتم بالبداية بنفس درجة الاهتمام بالنهاية، وكلما ازددت توسعاً في البحث اتضحت لي نقاط تستدعي التفكير ومزيداً من البحث لحلها. وأبدأ عملي في المشروعات الكبيرة المهمة من حيث انتهت الدراسات الخاصة بمثيلاتها عالمياً.
لقد منحني الله سبحانه وتعالى إمكانية تصور الفراغ التشكيلي أثناء وضع الخطوط الابتدائية للمسقط الأفقي لأي مشروع وعناصره المختلفة، سواء لزوايا الرؤية من الداخل أو الخارج، كما منحني أيضاً أن أكون ناقداً لأعمالي أثناء تلك الدراسات، لاعتقادي بأن حوار الأفكار يزيد الأداء صقلاً ونجاحاً. وأهم سمات تصميماتي هي البساطة والنقاء وصدق التعبير.
ومنذ عودتي من بعثتي العملية من الولايات المتحدة الأمريكية وأنا أسير في تفكيري المعماري إلى حد كبير في اتجاه أن الشكل الخارجي يتبع المنفعة، ولكني كنت دائماً ولا أزال أحاول دراسة الكيفية التي يتم بها توزيع العناصر في المبنى وطرق ربطها ببعضها، بحيث يتم التوازن بين الفراغ الداخلي والفراغ الخارجي بطريقة متكاملة، مع تصور تلقائي للنواحي الإنشائية وأي متطلبات تقنية خاصة، دون أي افتعال أو إضافة عناصر غير مطلوبة أو وضعها في غير مكانها الطبيعي.
إنني أعطي الوقت والتفكير اللازمين لتوفير الناحيتين الروحية والجمالية النابعتين من وجداني كمهندس معماري؛ بمعنى أنني أعتبر أن الشكل الخارجي لأي مبنى، بما يشمله من فتحات وعناصر رئيسية أخرى، يجب أن يعبر تعبيراً صادقاً وصريحاً عن داخل المبنى من الناحيتين الوظيفية والجمالية، وألا يكون هذا الشكل رداءً مستعاراً من الخارج.
أعتقد أن العمارة في وضعها البسيط تختص بالنواحي الوظيفية، إلا أنها قابلة لأن تسمو لأعلى المستويات الروحية، وأن الشكل الخارجي ليس هدفاً معمارياً؛ فالأصالة تكون في المضمون وليس في الشكل، وأي عمل جيد يكون فيه أصالة حتى ولو كان معاصراً. كما أنني من أنصار الجمال الفكري الوظيفي في العمارة النابع من وجدان المعماري المخلص صادق التعبير، حيث أن الفنون التشكيلية والموسيقى وغيرها تمثل التعبير الإنساني الحر للأحاسيس دون التقيد ببرامج محددة ونواحٍ وظيفية متنوعة كما هو الحال في العمارة.
وأعتقد أيضاً أن المعماري يجب أن يكون عصرياً، متلاحماً بكل جديد في الفكر والتطبيق، متتبعاً التقدم السريع في النواحي التقنية المختلفة والأساليب الاقتصادية المتطورة، وذلك كله دون أن ينعزل عن جذوره ومفاهيمه الدينية. وبعض آيات القرآن الكريم تشجع الإنسان على التغيير والحركة لملاحقة عصره لا الوقوف والتجمد عند مرحلة من مراحل الحياة، وأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون متحركاً ومتغيراً، وخلق الإنسان مزوداً بالاستعداد للمعرفة والاهتداء إلى أسرار هذا الوجود، وهو المصدر الثري الغني لما فيه من إبداع.
أحاول في أغلب الأحيان، سواء في مشروعاتي السكنية أو العامة، أن أُدخل عنصر الحدائق الداخلية والاستفادة منها من الناحيتين الوظيفية والجمالية، وهي من ضمن مظاهر تصميماتي. وباستخدام فتحات واسعة من الزجاج للعناصر المطلة على تلك الأفنية في المناسيب المختلفة يمكن ربط الداخل بالخارج، مما يعطي اتساعاً وجمالاً يتغير بتغير ساعات النهار وتبدل فصول السنة، بالإضافة إلى توفير عناصر نباتية ومائية وتشكيلية تضيف إلى تلك المساحات زوايا رؤية متنوعة.
أبتعد دائماً في تصميماتي عن إدخال أي عناصر شكلية من الطرز المختلفة، ومنها الطراز الإسلامي، لاعتقادي أن تقليد العناصر الظاهرة لتلك الطرز هو تشويه لتراثنا العظيم؛ والمهم في نظري إحياء الجذور وليس القشور، حيث أن هذه الطرز اختفت عوامل تكوين طابعها وشكلها، وأن القيم والمبادئ تبقى مهما طال عليها الزمن، أما وسائل التطبيق فإنها تتطور بالضرورة مع تطور الزمن. إلا أنني أقوم أحياناً بتوفير طابع مميز في التصميم في بعض الأعمال التي أرى توفيره لها، سواء في التشكيل الخارجي أو العناصر المعمارية الداخلية.
أهتم كثيراً بتحديد الفتحات الخارجية والداخلية في مشروعاتي على أساس دراسة متأنية للعوامل المناخية وتوزيع الأثاث، بالإضافة إلى توفير العلاقة الفراغية بين الداخل والخارج. وكنت أقوم بعمل تفاصيل جديدة تتمشى مع نوع المشروع من الخارج أو الداخل لأعمال النجارة والحدادة ووحدات الإضاءة وأي عناصر معمارية أخرى، وغالباً ما كانت تلك التفاصيل تعكس نواحي وظيفية وروحية، وإنني سعيد لأن لي رصيداً كبيراً متميزاً ومتنوعاً من تلك التفاصيل أعتز به.
حاولت دائماً في تصميماتي للمشروعات الصناعية، وهي كثيرة متنوعة، أن تحقق الناحيتين الإنتاجية والاقتصادية، والراحة والجو الملائم للعمالة، اهتماماً بالتنمية البشرية نفسها.
كنت أقوم بإدخال عناصر من الفنون التشكيلية من نحت بارز أو فريسك ضمن أعمالي المعمارية من الداخل أو الخارج، ويمكن القول بأنني من أوائل المهندسين المعماريين الذين قاموا بهذه الفكرة. وكانت أول محاولة لي في مطار القاهرة عام ١٩٦٠ حيث نجحت في عمل لوحات فنية بمعرفة الفنانَين فتحي محمود وصلاح عبد الكريم، كما قمت أخيراً بلوحات نحت بارز من النحاس والفريسك بفندق سفير القاهرة بمعرفة الفنان رزق والفنان صلاح عبد الكريم.
إن فكري كمهندس معماري ممارس ليس فكراً مكتوباً بل منفذاً بنوعيات مختلفة من المباني التي قمت بتصميمها والإشراف على تنفيذها، وذلك بخلاف ما قمت به من الأبحاث والدراسات في النواحي الهندسية التخصصية المختلفة التي يتطلبها تحضير هذه المشروعات، وكانت من ضمن أسباب نجاحها بعد تنفيذها.
عند تحضير الفكرة الابتدائية لمشروعاتي أقرأ البرنامج عدة مرات، ثم أعمل تحليلات تفصيلية له على هيئة دوائر بالمساحات المطلوبة أو المقدرة، مع توضيح العلاقات الوظيفية والحركية اللازمة بخطوط وأسهم ملونة للعناصر الأساسية للمشروع، لتتبين لي الصورة العامة للعلاقات كفكرة متكاملة. وأقوم بعمل دراسة تحليلية لموقع المشروع بعد زيارته عدة مرات وأخذ صور للمساحات المحيطة به، بالإضافة إلى استيعاب اشتراطات الموقع وكيفية تطبيق قوانين المباني أو التخطيط العمراني في حدوده.
وفي حالة المشروعات الكبرى المهمة كنت أسافر إلى الخارج لزيارة المشروعات العالمية المماثلة والشركات المصنعة للأجهزة والمهمات الميكانيكية والكهربائية التي لها علاقة بالمشروع، بالإضافة إلى مواد التشطيبات المتنوعة المستجدة. ومن ثم التعايش مع المشروع بعد تفهم البرنامج والعلاقات الحركية بين عناصره وتصور الموقع والمساحات المحيطة به من طرق أو مبانٍ أو مساحات خضراء. ولا يمكنني تحديد فترة هذه المعايشة لأنها تختلف حسب نوعية وأهمية المشروع والظروف المحيطة بي وقتها، ودائماً أحس بقلق شديد أثناء المعايشة إلى أن أصل إلى فكرة أقتنع بها وتحقق المطلوب من زواياه المتعددة.
عندما يجيء الخاطر من مخزون ذاكرتي أبدأ بوضع اللمسات الأولية للفكرة في هدوء تام؛ فقد تعودت سماع الموسيقى أثناء عملي هذا، وأختار دائماً الوقت المناسب في منزلي لا في المكتب، وعادة ما يكون في المساء المتأخر أو الصباح المبكر، ثم أرسمها على ورق مربعات بمقياس ١:٢٠٠ ثم ١:٥٠. وقد تعودت على تلك الطريقة منذ عودتي من بعثتي إلى الولايات المتحدة لاقتناعي بمزاياها الفنية والاقتصادية المتعددة، ومن واقع تلك الأفكار الابتدائية المجهزة بمقياس رسم محدد تُستكمل الرسومات المعمارية الأساسية ثم التفصيلية في مكتبي، وهكذا تتكرر العملية.
أحياناً يجيء الخاطر لفكرة المشروع في أي وقت وفي أي مكان فأقوم بتسجيلها، مثلما حدث لي أثناء مسابقة مشروع مطار القاهرة؛ فبعد أن زرت أهم المطارات في أوروبا وأمريكا، وعند عودتي بالطائرة إلى القاهرة، وضعت فكرة على ظهر علبة سجائري على أساس أن تكون حركة المسافرين والقادمين والعابرين في منسوب واحد مع عدم تعارضها مع بعضها، وكانت جميع المطارات التي زرتها تعتمد في هذه الحركة على منسوبين أو أكثر، وكانت هذه الفكرة سبب نجاح المشروع.
وبعد مشواري الطويل أحس بسعادة وامتنان عندما أتصفح ما يقال أو يُكتب عني، وصدق من قال إن شخصية المهندس مصطفى شوقي المتميزة بفكره المعماري المتزن ودقته المتناهية في أداء أعماله، واهتمامه بالجزئيات مثل اهتمامه بالكليات، وإحساسه الدقيق بالجمال وبحثه الدائم عن الجوهر بدلاً من الانبهار بالشكليات، ومحاولته الدائمة لربط المباني بأحجامها وتشكيلاتها بالطبيعة والمسطحات الخضراء والمائية، ونظرته للتراث كقيمة معمارية وثروة وطنية وحضارية يجب الحفاظ عليها، قد قدمت صورة مشرفة للمعماري الذي أعطى لمهنته الكثير وأعطته النجاح والشهرة.
كما أعتز بشهادة التقدير المقدمة لي من المؤتمر الثاني للمعماريين المصريين عام ١٩٨٦ برئاسة المرحوم المهندس حسن فتحي، والتي جاء بها: «أعطيت هذه الشهادة تقديراً لدوره الخلاق في تطوير العمارة المصرية المعاصرة وإرساء تقاليد مهنة نبيلة لممارستها، واعترافاً بفضله في تعليم وتدريب أجيال متعاقبة من المعماريين».
وبهذه المناسبة أود أن أقول لزميلاتي وزملائي المهندسين والطلبة إنه آن الأوان ألا نخاف من الاحتكاك بتكنولوجيا العصر، وأصبح من الضروري استيعاب هذا التطور العالمي حتى يمكننا أن نشارك بفاعلية في عملية التنمية لمجتمعاتنا وحل مشاكلها، دون تعارض مع حياتنا الاجتماعية ومفاهيمنا الإسلامية.
«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»